زيارة صهاريج إسطنبول القديمة: دليل أفضل 6 صهاريج

يبدأ تاريخ إسطنبول العريق من تحت الأرض. فلتأمين حاجة المدينة من المياه، بُنيت صهاريج إسطنبول القديمة تحت الأرض على مدى قرون، ويُقدَّر عددها بنحو 100 صهريج، أغلبها مغلق اليوم أو لا يزال قيد الترميم. أما الصهاريج الستة التالية فتكشف جانباً خفياً من المدينة، وبعضها مفتوح للزوار.

1. يريباتان: أشهر صهاريج إسطنبول القديمة

أعمدة رخامية مضاءة تنعكس على المياه داخل صهريج يريباتان، أشهر صهاريج إسطنبول القديمة

صهريج يريباتان (Yerebatan Sarnıcı)، المعروف أيضاً باسم صهريج البازيليك، هو أشهر صهاريج المدينة وأكثرها زيارة. وإن كان لديكم وقت لصهريج واحد فقط، فليكن هذا.

أُعيد افتتاحه عام 2022 بعد ترميم طويل. وموقعه مثالي: في حي سلطان أحمد (Sultanahmet)، على بُعد خطوات من آيا صوفيا والمسجد الأزرق (جامع السلطان أحمد)، بحيث تكفي جولة واحدة سيراً على الأقدام لزيارة الثلاثة. بناه الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول (527-565م). ويسميه أهل المدينة «القصر الغارق»، لأن أعمدته الرخامية تبدو بلا نهاية وهي ترتفع من الماء. أما اسم «صهريج البازيليك» فيعود إلى البازيليكا الرواقية التي كانت تقوم في الموقع نفسه. الأرقام هنا لافتة. نحو 80 ألف طن من المياه، ومساحة تقارب 9800 متر مربع بطول 140 متراً وعرض 70 متراً تقريباً، وهو بذلك أكبر الصهاريج المغطاة في المدينة وأغناها بالأعمدة المنقولة من مبانٍ أقدم. وفي أيام الصيف الحارة، يشعر النازلون إليه بفرق البرودة من الدرجات الأولى.

ثم هناك ميدوسا. رأسان منحوتان لها في قاعدتي عمودين، وهما من أبرز نماذج النحت الروماني. وفي إحدى الحكايات المتداولة عنهما، كانت ميدوسا فتاة تعتز بعينيها السوداوين وشعرها الطويل، وقد أحبّت برسيوس ابن زيوس، لكن أثينا كانت تحبه أيضاً، فغارت منها وحوّلت شعرها إلى أفاعٍ، فصار كل من تنظر إليه يتحول إلى حجر. ثم قطع برسيوس رأسها واستعان بقوتها على هزيمة أعدائه. والرواية، بالمناسبة، تختلف في تفاصيلها عن الأسطورة الإغريقية المعروفة.

2. صهريج بين بير ديرك: ألف عمود وعمود

أعمدة حجرية مزدوجة تحت أقبية آجرية داخل صهريج بين بير ديرك

اسمه وحده يلفت النظر. فـ«بين بير ديرك» (Binbirdirek Sarnıcı) تعني بالتركية «ألف عمود وعمود». لكن لا تأخذوا الاسم حرفياً: العدد الفعلي 224 عموداً فقط. يبقى مع ذلك ثاني أكبر صهريج مغطى في إسطنبول بعد يريباتان، بمساحة 3584 متراً مربعاً (64 × 56 متراً). تشير السجلات البيزنطية إلى بنائه في القرن الرابع الميلادي على يد فيلوكسينوس، أحد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني في عهد الإمبراطور قسطنطين، ومن هنا اسمه الآخر، صهريج فيلوكسينوس، ثم جفّت مياهه بمرور الزمن فصار يُستخدم مستودعاً بعد القرن السادس عشر.

يتكون كل عمود من جزأين موضوعين أحدهما فوق الآخر، تعلوهما تيجان على شكل هرم مقطوع بلا زخارف. الجدران من أقبية آجرية سميكة. أما الحروف اليونانية المحفورة على أجسام الأعمدة فيُرجَّح أنها علامات البنّائين الذين نحتوها.

يقع الصهريج غرب ميدان السلطان أحمد (الهيبودروم القديم)، قريباً من جامع السلطان أحمد. واليوم يتصل بصالة عرض فيها أركان صغيرة للبيع ومقهى ومساحات للمعارض، أما الحفرة في وسطه، التي تكشف الطول الأصلي للأعمدة، فقد أُعدّت خلال أعمال الترميم.

3. صهريج فيل دامي: إسطبل الفيلة

جدران حجرية وآجرية ضخمة لصهريج فيل دامي المكشوف في باكركوي

بعيداً عن سلطان أحمد، في منطقة ولي أفندي (Veliefendi) التابعة لحي باكركوي (Bakırköy)، يقع صهريج فيل دامي (Fildamı Sarnıcı)، أحد أكبر أربعة صهاريج مكشوفة عرفتها إسطنبول في العهد البيزنطي، ويُرجَّح أنه بُني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، أي في ذروة ازدهار الدولة البيزنطية.

يعني اسمه بالتركية «إسطبل الفيلة». والحقيقة أن أحداً لا يعرف أصل التسمية بدقة، لكن الرواية الأقرب إلى القبول أن فيلة الجيش والقصر كانت تُؤوى فيه في أواخر العهد البيزنطي.

الجدران وحدها مذهلة. سمكها مع التجاويف 7 أمتار، وارتفاعها 11 متراً، وقد بُنيت بالتناوب: 7 صفوف من الحجر ثم 7 من الآجر، وكل حزام آجري من 5 صفوف. وبأبعاده البالغة 127 × 76 متراً، يُعد أبرز الصهاريج البيزنطية المكشوفة الباقية وأفضلها حالاً. وظيفته الأصلية؟ إمداد القصور البيزنطية في المنطقة بالمياه، أما الفيلة فجاءت لاحقاً، بحسب الرواية.

4. صهريج أيتيوس: صار ملعباً لكرة القدم

صهريج أيتيوس البيزنطي في فاتح وقد تحول إلى ملعب لكرة القدم

كان صهريج أيتيوس (Aetios Sarnıcı) من أكبر خزانات المياه في إسطنبول البيزنطية. واليوم؟ ملعب لكرة القدم. يُعرف باسم ملعب فيفا (Vefa) أو ملعب قره غومروك (Karagümrük)، ويُستخدم لهذا الغرض منذ عام 1928.

تخيّلوا حوضاً مكشوفاً بطول 244 متراً وعرض 85 متراً وعمق 14 متراً، أي بمساحة تقارب 21 ألف متر مربع، وهي مساحة تتسع لقرابة ثلاثة ملاعب كرة قدم قياسية. تحيط به الأسوار في منطقة فاتح (Fatih). وفي النصف الأول من القرن الخامس، في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني على الأرجح، صُمم ليوازي الطريق الرئيسي للمدينة، وكان يستمد مياهه من قناة فالنس (Bozdoğan Kemeri)، وهي جزء من شبكة المياه الرومانية التي بُنيت في القرن الرابع، ويبلغ طول ما بقي منها 971 متراً. وبجدران استنادية سمكها 5.2 متر، كان يتسع لما بين 250 و300 ألف متر مكعب من المياه تقريباً.

5. صهريج زيرك: إرث دير البانتوكراتور

البناء الحجري المرمم لصهريج زيرك في شبه الجزيرة التاريخية بإسطنبول

يُعد صهريج زيرك (Zeyrek Sarnıcı) ثالث أكبر صهريج في إسطنبول، وهو من إرث العهد البيزنطي. كان في الأصل صهريج دير البانتوكراتور، الذي أمر ببنائه الإمبراطور يوحنا الثاني كومنينوس في القرن الثاني عشر، ولهذا يُعرف أيضاً باسم صهريج البانتوكراتور، وبعد الفتح العثماني تحوّلت كنيسة الدير إلى مسجد يُعرف اليوم باسم جامع زيرك (Zeyrek Camii).

ميزته: بناؤه جزئياً فوق الأرض. يقع في شارع أتاتورك (Atatürk Bulvarı) ضمن شبه الجزيرة التاريخية، بين أبرز آثارها. ومنطقة زيرك واحدة من أربع مناطق تشملها «المناطق التاريخية في إسطنبول» المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1985.

خضع الصهريج لأعمال ترميم واسعة بهدف فتحه للزوار. تحققوا من مواعيد زيارته قبل الذهاب.

6. صهريج شرفية: صهريج ثيودوسيوس

أعمدة كورنثية مضاءة داخل صهريج شرفية قرب سلطان أحمد

يعود صهريج شرفية (Şerefiye Sarnıcı) إلى نحو 1600 عام، وهو من أقدم منشآت المياه في شبه الجزيرة التاريخية. لم يُعثر على نقش يؤرخ بناءه، لكن خصائصه المعمارية تشير إلى عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني (408-450م)، ومن هنا اسمه الآخر: صهريج ثيودوسيوس. وبحسب مجلة Time Out إسطنبول، فُتح للزوار عام 2018 بعد ثماني سنوات من الترميم. لماذا كل هذه الصهاريج؟ لأن المدينة عانت قلة الموارد المائية وكثافة السكان والحصارات المتكررة، فاعتمدت على مدى قرون على صهاريج مكشوفة ومغطاة، ويُرجَّح أن الكبيرة منها، مثل شرفية ويريباتان، كانت تمد القصر الكبير والنافورة الأثرية (النيمفايوم) وحمامات زيوكسيبوس بالمياه.

المساحة نحو 24 × 40 متراً، والسقف يرتفع 11 متراً، وفي الداخل 32 عموداً و45 قبواً شراعياً. تيجان الأعمدة كورنثية، نُحتت كلها خصيصاً له من رخام جزيرة مرمرة، وتزينها أوراق الأقنثا. الجدران مكسوة بملاط عازل للماء. زواياه منحنية لتتحمل ضغط المياه، وسمك جدرانه نحو 2.5 متر. قربه من جامع السلطان أحمد يجعله إضافة سهلة إلى جولة في سلطان أحمد. وللمقارنة السريعة: يريباتان أكبر وأشهر، أما شرفية فأصغر وأقدم منه بنحو قرن.

المصادر: Şerefiye Sarnıcı، Yerebatan Sarnıcı، UNESCO: Historic Areas of Istanbul، Time Out İstanbul: Şerefiye Sarnıcı

Gönder

Bir yanıt yazın

E-posta adresiniz yayınlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir